الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
102
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
البينات الموجبة له من الدلائل والبراهين ، مثل قوله تعالى قبل ذلك : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [ آل عمران : 46 ] ، وما أشبه ذلك مما يدل على أنه وجد بعد أن كان معدوما ، واستقر في مضيق الرحم ، ثم ترعرع وصار شابا يأكل ، ويشرب ، ويحدث ، وينام ، ويستيقظ . وإنما فسر العلم بالبينات والبراهين ؛ لأن العلم الذي حصل في قلبه ، عليه الصلاة والسلام ، لا يوجب إفحامهم ، وانقطاع جدالهم وشبهاتهم ، ولا إقدامهم على المباهلة والملاعنة ، بل الذي يوجب ذلك هو إيراد الدلائل عليهم ، بحيث يلجئهم إلى الاعتراف بالحق وقبوله ، أو إلى إصرارهم على إنكاره وتكذيبه ، عنادا واستكبارا ، مع أن نفس العلم لا يتصف بالمجىء والانتقال من موضعه ، بخلاف الدليل ، فإنه يوصف بالورود والقيام . والمراد بالمباهلة الملاعنة ، بأن يقال : بهلة اللّه ، أي لعنته على الكاذبين منا ومنكم بأمر عيسى ، عليه السلام . والبهلة ، بضم الباء وفتحها ، وأصله الترك ، من قولهم : بهلت الناقلة إذا تركت بلا صرار « 1 » ، ومعنى قوله : تَعالَوْا أي بالرأي والعزم ، لا بالأجساد والأشخاص ؛ لأنهم حاضرون عنده ، عليه الصلاة والسلام ، بأجسادهم حيث إنهم يجادلونه صلى اللّه عليه وسلم في شأن عيسى ، عليه السلام . قوله : نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ . . . الآية ، أي ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله ، وإنما قدمهم على النفس ؛ لأن الرجل يخاطر بنفسه لأجلهم ، ويحارب دونهم ، فلما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ، ودعاهم إلى المباهلة ، قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ، ثم نأتيك غدا . فخلا بعضهم ببعض ، وقالوا للعاقب ، وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ، ما ترى ؟ فقال : واللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، واللّه ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لنهلكن ، فإن أبيتم إلا الإقامة على دينكم وعلى ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا هذا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ، فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد غدا محتضنا للحسين ، آخذا بيد الحسن ، وفاطمة تمشى خلفه ، وعلي بن أبي الخطاب خلفها ،
--> ( 1 ) في المختار : صر الناقة : شد عليها الصرار ، بالكسر ، وهو خيط يشد لئلا يرضعها ولدها .